فخر الدين الرازي

84

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

كان عاقبتهم ذلك بسبب أنهم كذبوا ، وقيل معناه أساءوا وكذبوا فكذبوا يكون تفسيرا لأساؤوا وفي هذه الآية لطائف إحداها : قال في حق الذين أحسنوا : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وقال في حق من أساء : ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى إشارة إلى أن الجنة لهم من ابتداء الأمر فإن الحسنى اسم الجنة والسوءى اسم النار ، فإذا كانت الجنة لهم ومن الابتداء ، ومن له شيء كلما يزداد وينمو فيه فهو له ، لأن ملك الأصل يوجب ملك الثمرة ، فالجنة من حيث خلقت تربو وتنمو للمحسنين ، وأما الذين أساؤا ، فالسوأى وهي جهنم في العاقبة مصيرهم إليها الثانية : ذكر الزيادة في حق المحسن ولم يذكر الزيادة في حق المسئ لأن جزاء سيئة سيئة مثلها الثالثة : لم يذكر في المحسن أن له الحسنى بأنه صدق ، وذكر في المسئ أن له السوأى بأنه كذب ، لأن الحسنى للمحسنين فضل والمتفضل لو لم يكن تفضله لسبب يكون أبلغ ، وأما السوءى للمسيء عدل والعادل إذا لم يكن تعذيبه لسبب لا يكون عدلا فذكر السبب في التعذيب وهو الإصرار على التكذيب ، ولم يذكر السبب في الثواب . ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 11 ] اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 11 ) لما ذكر أن عاقبتهم إلى الجحيم وكان في ذلك إشارة إلى الإعادة والحشر لم يتركه دعوى بلا بينة فقال يبدأ الخلق ، يعني من خلق بالقدرة والإرادة لا يعجز عن الرجعة والإعادة فإليه ترجعون ، ثم بين ما يكون وقت الرجوع إليه فقال : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( 12 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ ( 13 ) في ذلك اليوم يتبين إفلاسهم ويتحقق إبلاسهم ، والإبلاس يأس مع حيرة ، يعني يوم تقوم الساعة يكون للمجرم يأس محير لا يأس هو إحدى الراحتين ، وهذا لأن الطمع إذا انقطع باليأس فإذا كان المرجو أمرا غير ضروري يستريح الطامع من الانتظار وإن كان ضروريا بالإبقاء له بوونه ينفطر فؤاده أشد انفطار ، ومثل هذا اليأس هو الإبلاس ولنبين حال المجرم وإبلاسه بمثال ، وهو أن نقول مثله مثل من يكون في بستان وحواليه الملاعب والملاهي ، ولديه ما يفتخر به ويباهي ، فيخبره صادق بمجيء عدو لا يرده راد ، ولا يصده صاد ، إذا جاءه لا يبلعه ريقا ، ولا يترك له إلى الخلاص طريقا ، فيتحتم عليه الاشتغال بسلوك طريق الخلاص فيقول له طفل أو / مجنون إن هذه الشجرة التي أنت تحتها لها من الخواص دفع الأعادي عمن يكون تحتها ، فيقبل ذلك الغافل على استيفائه ملاذه معتمدا على الشجرة بقول ذلك الصبي فيجيئه العدو ويحيط به ، فأول ما يريه من الأهوال قلع تلك الشجرة فيبقى متحيرا آيسا ، مفتقرا ، فكذلك المجرم في دار الدنيا أقبل على استيفاء اللذات وأخبره النبي الصادق بأن اللّه يجزيه ، ويأتيه عذاب يخزيه ، فقال له الشيطان والنفس الأمارة بالسوء إن هذه الأخشاب التي هي الأوثان دافعة عنك كل بأس ، وشافعة لك عند خمود الحواس ، فاشتغل بما هو فيه واستمر على غيه حتى إذا جاءته الطامة الكبرى فأول ما أرته إلقاء الأصنام في النار فلا يجد إلى الخلاص من طريق ، ويحق عليه عذاب الحريق ، فييأس حينئذ أي إياس ويبلس أشد إبلاس . وإليه الإشارة بقوله تعالى : وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ يعني يكفرون بهم ذلك اليوم .